محمد هادي معرفة
267
التمهيد في علوم القرآن
لكان قد جمع بين الشيء ، وشكله ، فذكر الجواد والكرّ في بيت ، وذكر النساء والخمر في بيت ! فالتبس الأمر بين يدي سيف الدولة ، وسلّموا له ما قال ! فقال رجل ممّن حضر : ولا كرامة لهذا الرأي ، اللّه أصدق منك حيث يقول : إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى . وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى « 1 » . فأتى بالجوع مع العرى ولم يأت به مع الظمأ . فسرّ سيف الدولة ، وأجازه بصلة حسنة . هذا . . . وقد حاول صاحب الكتاب تبرير موقف امرئ القيس في تفرقته هذه غير المتناسبة ، وأتى بتكلّف وتأويل ظاهرين . . . وأمّا الآية الكريمة فقد فنّد مزعومة القائل بأنّها نظيرة البيتين ، قال : وأمّا احتجاج الآخر بقول اللّه عزّ وجلّ فليس من هذا في شيء لأنّه تعالى أجرى الخطاب على مستعمل العادة ، وفيه مع ذلك تناسب ، لأنّ العادة أن يقال : جائع عريان ، ولم يستعمل في هذا الموضع عطشان ولا ظمئان . وقوله تعالى : تَظْمَؤُا و تَضْحى متناسب ، لأنّ الضاحي هو الذي لا يستره شيء عن الشمس ، والظمأ من شأن من كانت هذه حاله « 2 » . وأيضا قوله : وهرّ تصيد قلوب الرجال * وأفلت منها ابن عمر وحجر قال ابن رشيق : وقد يأتي القدماء من الاستعارات بأشياء يجتنبها المحدثون ويستهجنونها ، ويعافون أمثالها ظرفا ولطافة ، وإن لم تكن فاسدة ولا مستحيلة ، فمنها قول امرئ القيس - وذكر البيت - قال : فكان لفظة « هرّ » واستعارة الصيد معها مضحكة هجينة ، ولو أنّ أباه حجرا من فارات بيته ما أسف على إفلاته
--> ( 1 ) طه : 118 - 119 . ( 2 ) العمدة لابن رشيق : ج 1 ص 258 - 259 .